أحمد بن عبد المؤمن بن موسى القيسي الشريشي

11

شرح مقامات الحريري

كالحامل ، وانشقّت عن الناقة . ثم تلاها سقبها « 1 » ، فآمن كثير منهم ، وكان شربها « 2 » يوما وشربهم يوما ، فإذا كان يوم شربها حلبوها ، فملئوا من لبنها كلّ إناء ووعاء ، فلما امتنعت إبلهم من الماء يوم شربها استثقلوها ، وكان فيهم امرأتان : عنيزة وصدقة ، فبذلتا أنفسهما لقدار على أن يعقر الناقة ، وهو قدار بن قديرة ، وهي أمّه وسالف أبوه ، وكان قدار أزرق أسمر قصيرا ، وكان له صديق اسمه مصدّع بن مهرج ، معاون له على ما كان به من الفساد في الأرض ، وكانا في تسعة من أهل الفساد ، فضرب قدار عرقوبها بسيفه ، وضرب مصدّع العرقوب الآخر ، واستهموا لحمها ، فخرجت ثمود تعتذر إلى صالح ، وتزعم أنها لا ذنب لها . فقال : انظروا ، هل تدركون فصيلها ، فعسى أن يرفع عنكم العذاب ! فالتمسوه ، فصعد إلى جبل يقال له : القارة ، وطال الجبل به في السماء ، حتى ما تناله الطير ، وبكى . ثم استقبلهم ، ورغا ثلاثا ، فقال صالح : تمتّعوا في داركم ثلاثة أيام ، ذلك وعد غير مكذوب ، وآية ذلك أن تصبح وجوهكم في الأول مصفرّة ، وفي الثاني محمرّة ، وفي الثالث مسودّة . فلما رأوا صدقه أوّل يوم أرادوا قتله ، فمنع منهم فلمّا رأوا صدقه في اليوم الثالث تحنّطوا وتكفنوا وبكوا وضجّوا ، وجعلوا ينظرون من أين يأتيهم العذاب . فصبّحتهم في اليوم الرابع صيحة من السماء ، قطعت قلوبهم في صدورهم ، فأصبحوا في ديارهم جاثمين ، فعقروها يوم الأربعاء ، وأصيبوا يوم الأحد ، وإنما أصيبوا والمذنب بعضهم ، لأنهم رضوا فعله ، والنّية أبلغ من العمل - وبلادهم بين الشأم والحجاز إلى ساحل البحر الحبشي ومرّ النبي صلّى اللّه عليه وسلم بقربتهم ، ونهى الناس عن دخولها ، وأراهم مرتقى الفصيل . ولما رأى صالح أنها دار سخط ، ارتحل بمن معه إلى مكة ، فلم يزالوا بها حتى ماتوا ، فقبورهم في غربيّ البيت ، بين دار الندوة والحجر . وقال حباب بن عمرو : [ البسيط ] كانت ثمود ذوي عزّ ومكرمة * ما إن يضام لهم في النّاس من جار فأهلكوا ناقة كانت لربّهم * قد أنذروها فكانوا غير أبرار * * * فقال : والّذي ينشر الأموات من الرّجام ، لا عدت دون رفع الجام ، فلم نجد بدّا من تألّفه ، وإبراز حلفه ، فأشلناه والعقول معه شائلة ، والدّموع سائلة ، فلمّا فاء إلى مجثمه ، وخلص من مأثمه ، سألناه لم قام ، ولأي معنى استرفع الجام ؟ فقال : إنّ الزّجاج نمّام ، وإنّي آليت منذ أعوام ، ألّا يضمّني ونموما مقام . فقلنا : وما سبب يمينك الصّرّى ، وأليّتك الحرّى ؟ * * *

--> ( 1 ) السقب : ولد الناقة . ( 2 ) الشرب : النصيب من الماء .